محمد بن علي الشوكاني
3559
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
إن قلتم : ورد فما هو ؟ ، وإن قلتم : لم يرد ولكنه قال به فلان ، أو اشتهر عند الطائفة الفلانية فليس . بمثل هذا يعترض على أبحاث العلم . وأما ما ألزمتم به من أنه يكون ذريعة لكل مشتر إلى ادعاء الفسخ باعتقاده لصفة لم توجد فجوابه أنا قد قيدنا ذلك في تلك الرسالة ( 1 ) بقولنا : لكنه قد حصل العلم بأن المشترى كان عند العقد معتقدا لوجودها ، فهذا القيد المصرح به يدفع ذلك الإلزام دفعا واضحا لا يخفى . قال - كثر الله فوائده - : فإن هذا الخيار فعل صاحب المعيار العلة ، والسبب فيه هي الجهالة ، ولعلة التبس بالغرر . أقول : قد قررنا أن المعنى اللغوي يقتضي أن يكون الجهل غررا ، بل صرح بذلك صاحب النهاية ( 2 ) ، والأزهري ( 3 ) ؛ فلا التباس . وكلام صاحب المعيار اجتهاد لا نقل عن أئمة اللغة ، فليس بحجة على أحد وكذلك من وافقه ، بل الحجة الدليل المفسر بلغة العرب . قال - كثر الله فوائده - : قال البغوي ( 4 ) : إن الغبن هو فوت الحظ . أقول : هذا هو المعنى الذي أردناه ، فإن فوت الحظ كما يكون بعناية من أحد البائعين كالخداع ، ويكون أيضًا بغير عناية منهما ، أو من أحدهما ، لأنه قد وجد فوت الحظ ، ويؤيد هذا الاعتبار ما ورد في البائع لسلعته قبل وصوله إلى السوق ، فإن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قال فيه : " فصاحب السلعة بالخيار إذا وردت بالسوق " ( 5 ) ، ولم يقيد هذا الخيار بكونه كان البيع بسبب الخداع ولا بغير ذلك . قال - كثر الله فوائده - فإن هذا مما اختلط فيه الغرر بالجهل .
--> ( 1 ) الرسالة رقم ( 110 ) . وانظر : " المغني " ( 6 / 34 - 35 ) . ( 2 ) ( 3 / 355 ) . ( 3 ) في " تهذيب اللغة " ( 16 / 83 - 84 ) . ( 4 ) انظر " شرح السنة " ( 8 / 123 ) . ( 5 ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 17 / 1519 ) وقد تقدم .